ابن قيم الجوزية

337

الروح

على ذلك الحال إلى تلك الدار وقصد دخولها للوعد الذي سبق لها لقام إليه البواب بالضرب والطرد والضياع عليه والإبعاد له من بابها وطريقها فرجع متحيرا خاسئا . فالأول : حال الراجي وهذا حال المتمني ، وإن شئت مثلت حال الرجلين بملك هو من أغير الناس وأعظمهم أمانة وأحسنهم معاملة لا يضيع لديه حق أحد ، وهو يعامل الناس من وراء ستر لا يراه أحد وبضائعه وأمواله وتجاراته وعبيده وإماؤه ظاهر بارز في داره للمعاملين فدخل عليه رجلان فكان أحدهما يعامله بالصدق والأمانة والنصيحة لم يجرب عليه غشا ولا خيانة ولا مكرا فباعه بضائعه كلها واعتمد مع مماليكه وجواريه ما يجب أن يعتمد معهم فكان إذا دخل عليه ببضاعة تخير له أحسن البضائع وأحبها إليه وإن صنعها بيده بذل جهده في تحسينها وتنميقها وجعل ما خفي عنها أحسن مما ظهر ويستلم المئونة ممن أمره أن يستلمها منه وامتثل ما أمره به السفير بينه وبينه في مقدار ما يعمله ، صفته وهيئته وشكله ووقته وسائر شؤونه وكان الآخر إذا دخل دخل بأخس بضاعة يجدها لم يخلصها من الغس ولا نصح فيها ولا اعتمد في أثرها ما قاله المترجم عن الملك والسفير بينه وبين الصناع والتجار بل كان يعملها على ما يواه . ومع ذلك فكان يخون الملك في داره إذ هو غائب عن عينه فلا يلوح طمع إلا خانه ولا حرمة للملك إلا مد بصره إليها وحرص على إفساده ولا شيء يسخط الملك إلا ارتكبه إذا قدر عليه فمضيا على ذلك مدة ثم قيل إن الملك يبرز اليوم لمعامليه حتى يحاسبهم ويعطيهم حقوقهم فوقف الرجلان بين يديه فعامل كل واحد منها بما يستحقه . فتأمل هذين المثلين فإن الواقع مطابق لهما فالراجي على الحقيقة لما صارت الجنة نصب عينه ورجاءه وأمله امتد إليها قلبه وسعى لها سعيها فإن الرجاء هو امتد القلب وميله . وحقق رجاءه كمال التأهب وخوف القوت والأخذ بالحذر . وأصله من التنحي ورجاء البئر ناحيته وارجاء السماء نواحيها وامتداد القلب إلى المحبوب منقطعا عما يقطعه عنه هو تنح عن النفس الأمّارة وأسبابها وما تدعو إليه وهذا الامتداد والميل والخوف من شأن النفس المطمئنة فإن القلب إذا انفتحت بصيرته فرأى الآخرة وما أعد اللّه فيها لأهل طاعته وأهل معصيته خاف وخف مرتحلا